من روائع الادب العربى

0 275

كتب : محمد مصطفى

كان هناك شيخ أعرابي حكيم يعيش مع أبنائه وبناته في الصحراء، يملكون قطعاناً من الإبل والغنم التي يرعونها ويعتمدون عليها. وكان لديهم كلب حراسة قوي ووفي، مهمته حماية هذه القطعان من الذئاب وأي معتدٍ محتمل.

وذات يوم، جاء أحد سفهاء الحي وقتل كلب الحراسة.

ذهب الأبناء مسرعين إلى أبيهم وقالوا: “يا أبانا، لقد قتل فلان كلبنا الحارس!” فنظر إليهم الشيخ وقال بلهجة صارمة: “اذهبوا واقتلوا من قتل الكلب.”

جلس الأبناء متعجبين من أمر أبيهم، وتساءلوا: “كيف نقتل إنساناً بسبب كلب؟ هل يعقل أن يكون هذا ثأرنا؟ لعل أبانا قد كبر وأصابه خرف.” وقرروا تجاهل الأمر، ولم ينفذوا ما أمرهم به.

مر شهران، وفي أحد الأيام، تسلل اللصوص إلى مراعيهم وسرقوا الإبل والغنم. فزع الأبناء وهرعوا إلى أبيهم قائلين: “يا أبانا، لقد هاجمنا اللصوص وساقوا الإبل والغنم!” رد عليهم الأب بنفس الجواب السابق: “اذهبوا واقتلوا من قتل الكلب.”

وقف الأبناء مذهولين من تكرار رد والدهم، واعتبروا أن ما يقوله لا علاقة له بما حدث، وأهملوا كلامه مرة أخرى.

لم يمضِ وقت طويل حتى هاجمتهم قبيلة أخرى واختطفت إحدى بنات الشيخ وساقوها معهم، فعاد الأبناء إلى أبيهم هذه المرة وهم في حالة من الغضب والذهول، وقالوا: “يا أبانا، لقد أخذوا أختنا واستباحوا قبيلتنا!” لكن الأب لم يغير كلماته، وقال لهم مرة أخرى: “اذهبوا واقتلوا من قتل الكلب.”

حار الأبناء في أمر أبيهم، إلا أن الابن الأكبر شعر أن وراء كلام أبيه حكمة خفية. قال لنفسه: “سأطيع أبي وأرى ماذا سيحدث.” فحمل سيفه وتوجه إلى قاتل الكلب، وأجهز عليه.

انتشر خبر مقتل قاتل الكلب في جميع أنحاء الحي، وبدأ الناس يقولون: “إن أبناء هذا الشيخ قتلوا رجلاً ثأراً لكلبهم، فكيف ستكون ردة فعلهم إن تعرض لهم أحد بأذى أعظم؟”

خاف اللصوص الذين سرقوا الإبل والغنم، وقالوا: “إن كانوا قد قتلوا رجلاً من أجل كلب، فلا شك أنهم سينتقمون منا شر انتقام إن علموا أننا أخذنا قطيعهم.” فتسللوا ليلاً وأعادوا الإبل والغنم إلى مراعي الشيخ.

وحين وصل الخبر إلى القبيلة التي اختطفت ابنة الشيخ، قالوا: “إذا كان هؤلاء لا يتهاونون في الثأر لكلبهم، فماذا سيفعلون وقد أخذنا ابنتهم؟” فأعادوا الفتاة وعرضوا خطبتها لابن شيخهم، لتجنب أي عداء محتمل.

حينئذٍ جلس الأبناء إلى أبيهم وقد أدركوا الحكمة في كلامه. فهموا أن تهاونهم الأول بحقهم جعل الآخرين يتجرؤون عليهم. ولو أنهم أخذوا حقهم منذ البداية لما تجرأ أحد على انتهاك حرماتهم مرة أخرى.

#العبرة:

إن غضّ الطرف عن الحقوق يجعل الآخرين يتجرؤون على الاعتداء بجرأة، أما الوقوف على الحق والذود عنه فهو خير وسيلة لردع الطامعين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.