حين يُحاسَب رد الفعل ويُنسى الفعل والفاعل وصاحب الشرارة التى اثارت هذه الازمة فلابد من وقفة تحليلية . بقلم الاعلامى / مصطفى عبد المجيد

0 114

بقلم الاعلامى / مصطفى عبد المجيد

أزمة دينا المصري بين مسؤولية الإعلام وخطر صناعة الفتنة

في مصر، حيث يعيش المسلمون والمسيحيون جنبًا إلى جنب منذ قرون، لا تحتاج الفتنة الطائفية إلى أحداث كبيرة حتى تبدأ. أحيانًا يكفي تعليق مستفز على مواقع التواصل الاجتماعي، أو كلمة عابرة، أو سخرية من شعيرة دينية، ثم يأتي رد غاضب، لتتحول المسألة خلال ساعات إلى قضية رأي عام تتجاوز أصحابها الأصليين.

وهنا تبرز أزمة الإعلامية دينا المصري باعتبارها حالة تستحق التوقف والتحليل، ليس للدفاع عن كل ما صدر عنها، ولا لإدانتها وحدها، وإنما لطرح سؤال أكثر عدلًا:

لماذا نركز دائمًا على رد الفعل، بينما ننسى في كثير من الأحيان البحث عن الفعل الذي سبقه وأشعله؟

البداية كانت من الأذان

بحسب ما روته دينا المصري في تصريحاتها، بدأت القصة من اعتراضها على عدم سماع صوت الأذان في المنطقة السكنية التي تقيم بها، ثم دخلت التعليقات على منشورها في اتجاه أكثر حدة، إلى أن كتب أحد المتابعين تعليقًا اعتبرته مسيئًا للأذان وللدين الإسلامى عندما قال ( الاذان جعير حمير ) .

وهنا حدث الخطأ الأكبر.

بدلًا من أن تتوقف المناقشة عند حدود الاعتراض أو الرد العقلاني، انتقل الحوار إلى منطقة تبادل الإساءة. دينا المصري نفسها أقرت لاحقًا بأن ردها كان خطأ، وقالت بوضوح إن كونها إعلامية كان يفرض عليها قدرًا أكبر من ضبط النفس والحياد. ولكن صاحب الاساءة للدين الاسلامى والاذى بدأ شرارة الفتنة اختفى ، بل وبدا الهجوم على المذيعة وتم اغفال المسىء الاساسى للدين الاسلامى وسبب هذه المشكلة .

لكن أين صاحب الشرارة الأولى؟

وهنا تكمن النقطة التي تستحق النقاش.

عندما تقع مشاجرة بين شخصين، فإن محاسبة الشخص الذي رد بالضرب لا تعني أن الشخص الذي بدأ الاعتداء أصبح بريئًا.

وبالمثل، عندما يتحول نقاش ديني إلى إساءات متبادلة، فمن الخطأ أن ندرس المشهد من لحظة الرد فقط، وننسى السؤال:

من الذي بدأ الاستفزاز؟ وما الذي دفع الحوار أصلًا إلى هذه المنطقة؟

هذا لا يعني تبرئة دينا المصري من مسؤولية كلماتها. بل يعني أن التحليل العادل يجب أن ينظر إلى السلسلة كاملة: منشور، ثم تعليق، ثم رد، ثم تصعيد، ثم انتشار، ثم غضب جماهيري، ثم قرارات مهنية.

وقد تناولت التغطيات الإعلامية بالفعل أن تعليق أحد المتابعين كان نقطة تصعيد دفعت الأزمة إلى مرحلة جديدة، قبل أن تتحول القضية إلى موجة واسعة من الانتقادات.

المشكلة الأخطر ليست في شخصين

ربما يكون من الخطأ اختزال القضية في “دينا المصري ضد المسيحيين”، أو “مسيحي ضد المسلمين”.

هذه الطريقة في قراءة الأحداث هي بالضبط ما ينبغي أن نحذر منه.

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول فرد إلى ممثل لدين كامل، ويتحول تعليق شخص إلى موقف من طائفة بأكملها.

المسيحي الذي أساء إلى الأذان لا يمثل المسيحيين، كما أن المسلم الذي يسيء إلى المسيحية لا يمثل المسلمين.

هذه قاعدة أساسية يجب ألا ننساها.

فالفتنة تبدأ عندما نقول:

“هو مسيحي إذن المسيحيون…”

أو:

“هو مسلم إذن المسلمون…”

وهنا يتحول تصرف فرد إلى اتهام جماعي، وتتحول مشكلة شخصية إلى صراع ديني.

وهل يمكن أن يكون الاستفزاز وسيلة لصناعة الفتنة؟

هذا السؤال يستحق أن يُطرح، ولكن بحذر.

ليس لدينا في هذه الواقعة، بحسب المعلومات المنشورة، دليل يثبت أن صاحب التعليق كان جزءًا من مخطط منظم لإشعال الفتنة.

لكن لدينا ظاهرة معروفة على مواقع التواصل: الاستفزاز ثم انتظار الانفجار.

شخص يكتب تعليقًا شديد الاستفزاز ضد شعيرة دينية، ثم يأتي رد غاضب من الطرف الآخر، وبعدها يتم اقتطاع الرد ونشره على نطاق واسع، فيتحول صاحب الرد إلى المتهم الرئيسي، بينما يتراجع صاحب الاستفزاز إلى الخلف وكأن شيئًا لم يحدث.

وهذه هي النقطة التي يجب أن ينتبه إليها المجتمع والإعلام.

ليس المطلوب أن نبحث عن “مؤامرة” خلف كل تعليق، وإنما المطلوب أن ندرك أن خطاب الاستفزاز الديني يمكن أن يتحول بسهولة إلى وقود للفتنة، سواء كان مقصودًا أو ناتجًا عن جهل أو رغبة في الاستفزاز وجذب التفاعل.

الإعلامي مسؤول مرتين

في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل مسؤولية دينا المصري باعتبارها إعلامية.

فالإعلامي لا يملك دائمًا رفاهية المواطن العادي في الرد والانفعال؛ لأن كلماته تُقرأ باعتبارها صادرة عن شخصية عامة، وقد تنتشر خلال دقائق إلى ملايين الأشخاص.

ولهذا فإن اعترافها بأن ردها كان خطأ يمثل الجانب الذي ينبغي التوقف عنده مهنيًا.

فالقاعدة يجب أن تكون:

إذا أساء إليك شخص، فلا تمنحه فرصة أن يجعلك مسيئًا مثله.

وإذا كان هناك تجاوز حقيقي، فهناك وسائل قانونية وإعلامية ومجتمعية للرد عليه.

أما الرد بالإساءة إلى عقيدة الآخر، فهو ببساطة نقل الأزمة من مستوى “شخص أخطأ” إلى مستوى “دين في مواجهة دين”.

وهذا أخطر بكثير.

لماذا لا نتعلم من هذه الأزمة؟

لأن مصر لا تحتاج إلى مزيد من المعارك الطائفية المصنوعة على مواقع التواصل.

المصري المسلم والمصري المسيحي يعيشان في الشارع نفسه، ويعملان في المكان نفسه، ويدخل أبناؤهما المدارس نفسها، ويتشاركان أفراحًا وأحزانًا ومواقف إنسانية لا علاقة لها بالدين.

ولهذا فإن من يسيء إلى شعيرة إسلامية لا ينبغي أن يُستخدم لإدانة المسيحيين.

ومن يسيء إلى شعيرة مسيحية لا ينبغي أن يُستخدم لإدانة المسلمين.

المحاسبة يجب أن تكون على الفعل، لا على الهوية الدينية لصاحبه.

الرسالة الأهم

أزمة دينا المصري يجب ألا تنتهي عند قرار إيقاف برنامج أو موجة هجوم على إعلامية.

ينبغي أن تكون درسًا أكبر:

لا تستفز دين الآخر، ولا ترد الإساءة بإساءة، ولا تحول خطأ فرد إلى معركة بين ملايين البشر.

وفي الوقت نفسه، يجب على الإعلام ومواقع التواصل أن تتعامل مع الأحداث من بدايتها، لا من اللحظة التي يصبح فيها أحد الأطراف هو “الترند”.

فإذا كان هناك شخص أساء إلى الأذان، فيجب أن يُدان فعله.

وإذا أخطأ الطرف الآخر في الرد، فيجب أن يُدان رده.

أما أن نأخذ آخر حلقة في سلسلة الأحداث وننسى أولها، فهذه ليست معالجة للفتنة، وإنما قد تكون — من حيث لا ندري جزءًا من صناعتها. مثلما يحدث الان من قيام بعض المحامين من زيادة هذه الفتنة برفع قضية على دينا المصرى ونسيان الطرف الرئيسى الذى اساء للدين الاسلامى وتسبب فى هذه الازمة .

فالفتنة لا تبدأ دائمًا بخطاب كبير. أحيانًا تبدأ بتعليق صغير… ثم تنتظر شخصًا غاضبًا ليكمل المهمة.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله ليس فقط أن نرد على المسيء، وإنما أن نسمح له بأن يحدد لنا طريقة الرد.

وفي مجتمع مثل بلدنا مصر، فإن الوعي بهذه النقطة ليس رفاهية إعلامية، بل ضرورة لحماية السلم الاجتماعي.

ووجب على الجميع التوعية بخطورة هذه الامور ، ومحاسبة المخطئين من الطرفين فورا ، وابعاد المحامين الذين يرغبون فى الشهرة حتى ولو كانت الشهرة على حساب بلدهم او اثارة الفتنة الطائفية .

حمى الله مصر وشعبها من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وجعل شعبها ( مسلمين ومسيحين ) فى رباط الى يوم الدين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.